تاريخ وأصول محافظة الرقة
سجل موسوعي شامل يوثق النشوء الأول، الحضارات المتعاقبة، المحطات الفاصلة، والأدوار التاريخية الشامخة لمحافظة الرقة
1. فجر التاريخ والنشوء الأول (المملكة القديمة)
تنبع عظمة الرقة من موقعها الاستراتيجي عند ملتقى نهري البليخ والفرات. يعود استيطانها إلى الألف السادس قبل الميلاد في تل صبي أبيض الذي كشف أسرار العصر النيوليتي وصناعة الفخار والأختام الأولى، وفي الألف الثالث قبل الميلاد كانت "توتول" (تل البيعة على أطراف الرقة) مدينة مقدسة وعاصمة عبادة الإله "داجون"، إله الخصب والقمح في الشرق القديم، الذي حج إليه سرجون الأكادي ليأخذ البركة لفتوحاته.
2. العهود الآرامية، الهلنستية، والرومانية
في العصر الهلنستي أسسها الإسكندر الأكبر وسماها السلوقيون "نيقيفوريوم"، ثم أطلق عليها الرومان اسم "كالي نيكوس". في عام 639م دخلها المسلمون صلحاً، وبنى فيها الخليفة الأموي هشام بن عبد الملك قصرين مشهورين، لتأتي اللحظة الفارقة في تاريخها مع العصر العباسي؛ إذ بنى الخليفة المنصور عام 772م مدينة توأمة لها سُميت "الرافقة" على شكل حدوة فرس تيمناً ببغداد المدورة، ولا تزال أسوارها الطينية وباب بغداد شاهداً على تلك العمارة.
3. الفتح والعهود الإسلامية العظيمة (الأموي، الأيوبي، والمملوكي)
أصبحت الرقة في عهد الخليفة هارون الرشيد عاصمة للإمبراطورية العباسية؛ حيث انتقل إليها الرشيد عام 796م وجعلها مقراً لحكمه وملاذاً لبلاطه لعشر سنوات، فازدهرت فيها صناعة الخزف الرقاوي الشهير ذي البريق المعدني والزجاج الأزرق الذي لا تزال متاحف العالم تفخر باقتنائه. تعرضت الرقة لغزو المغول وتراجعت لمصلحة البداوة لقرون، قبل أن تنبعث كمركز زراعي ضخم في منتصف القرن العشرين مع بناء سد الفرات في الطبقة وتشكيل بحيرة الأسد، لتظل الرقة ملتقى حضارات الفرات وسلة سوريا للحبوب والقطن، صابرة على جراح العصر لتستعيد مجدها الإنساني.