تاريخ وأصول محافظة حلب
سجل موسوعي شامل يوثق النشوء الأول، الحضارات المتعاقبة، المحطات الفاصلة، والأدوار التاريخية الشامخة لمحافظة حلب
1. فجر التاريخ والنشوء الأول (المملكة القديمة)
تنبع مهابة حلب من تلّتها الشامخة؛ فمنذ الألف الثالث قبل الميلاد، كانت "حلبو" عاصمة لمملكة "يامحاض" الآمورية العظيمة التي تحالفت وتصارعت مع بابل وماري، وكان معبد إله العواصف "هدد" القائم فوق قلعتها قبلةً دينية تهوي إليها ملوك الشرق القديم، من الحثيين إلى الفراعنة.
2. العهود الآرامية، الهلنستية، والرومانية
تعاقبت عليها الممالك الكبرى من ميتانيين وآشوريين وفرس وسلوقيين، الذين أطلقوا عليها اسم "بيرويا". وفي العصر الروماني والبيزنطي، ازدهرت حلب كنقطة وصل تجارية تربط شواطئ البحر الأبيض المتوسط بحوض الفرات وآسيا الصغرى، وشهد محيطها نشوء حركة النسك الشهيرة المتمثلة بالقديس سمعان العمودي، الذي شُيد حول عموده أعظم مجمع كنسي في الشرق.
3. الفتح والعهود الإسلامية العظيمة (الأموي، الأيوبي، والمملوكي)
دخلها العرب المسلمون صلحاً عام 637م، لكن مجدها الأسطوري تجلى في القرن العاشر الميلادي حين جعلها سيف الدولة الحمداني عاصمة لدولته، وحصناً منيعاً في وجه البيزنطيين، وبلاطاً فكرياً جمع أعظم قامات الفكر كأبي الطيب المتنبي والفارابي وأبي فراس الحمداني. مع قدوم الزنكيين والأيوبيين، تحولت قلعة حلب على يد الملك الظاهر غازي إلى تحفة عسكرية لم تُقهر، وصمدت أسواقها العتيقة المسقوفة كأطول أسواق مسقوفة ومستمرة في العالم، رابطة أطراف طريق الحرير بين الشرق الغرب.
4. العصر الحديث، النضال الوطني، والاستقلال السوري
في العصر العثماني، كانت حلب ثالث أهم مدن الإمبراطورية بعد القسطنطينية والقاهرة، وعاصمة التجارة العالمية وقنصليات الدول الأوروبية. وفي القرن العشرين، شكلت حلب رافعة الاقتصاد والصناعة السورية. ورغم الدمار الهائل الذي طال معالمها وأسواقها في الحرب الأخيرة، تظل حلب تنهض من رمادها بعناد حرفييها وصناعها، مؤكدة أنها شهباء لا تنكسر.